الشيخ محمد رشيد رضا
382
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الأرض ، قبل أن يحق عليه القول ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ) وهذا كما قال في اليهود بعد ذكر إفسادهم مرتين ( عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا ) وقلما ذكر اللّه عذاب الفاسقين المفسدين ، الا وقرنه بذكر المغفرة والرحمة للتائبين المحسنين ، حتى لا ييأس صالح مصلح من رحمته بذنب عمله بجهالة ، ولا يأمن مفسد من عقابه اغترارا بكرمه وعفوه وهو مصر على ذنبه ، * * * ثم بين تعالى كيف كان بدء إذلال اليهود بإزالة وحدتهم ، وتمزيق جامعتهم فقال وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً أي وفرقناهم في الأرض حال كونهم أمما بالتقدير ، أو صيرناهم أمما متقطعة ، بعد أن كانوا أمة متحدة مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ كالذين نهوا الذين اعتدوا في السبت عن ظلمهم ، والذين كانوا يؤمنون بأنبياء اللّه تعالى فيهم من بعد موسى إلى عهد عيسى عليهم السّلام ، والذين آمنوا بمحمد خاتم النبيين ، صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ ومنهم ناس دون وصف الصلاح لم يبلغوه ، وهم درجات أو دركات ، منهم الغلاة في الكفر والفسق ، كالذين كانوا يقتلون النبيين بغير حق ، ومنهم السماعون للكذب الأكالون للسحت ، إلى غير ذلك مما هو شأن الأمم الفاسدة في كل عصر ، تفسد بالتدريج لا دفعة واحدة كما نراه في أمتنا الاسلامية وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي امتحناهم ، وبلونا سرائرهم واستعدادهم ، بالنعم التي تحسن ، وتقر بها الأعين ، وبالنقم التي تسوء صاحبها ، وربما حسنت بالصبر والإنابة عواقبها ، رجاء أن يرجعوا عن ذنبهم ، وينيبوا إلى ربهم ، فيعود برحمته وفضله عليهم * * * فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أي فخلف من بعد أولئك الذين كان فيهم الصالح والطالح ، والبر والفاجر ، خلف سوء وبدل شر ، قيل : إن الخلف بسكون اللام يغلب في الأشرار ، وإنما يقال في الأخيار خلف بالتحريك كسلف وَرِثُوا الْكِتابَ الذي هو التوراة عنهم ، وقامت الحجة به عليهم ،